الترجمة.. استيراد الثقافات وتصديرها

محمد بدوي

حقيقة صادمة، ولكن لا بد من الاعتراف بها: إن طبيعة عمل كثير من المترجمين تجعلهم أشبه بتروس صغيرة -وربما كبيرة- في آلة الاحتلال الثقافي للأمة.

والحقيقة أيضا تقول إن هناك مترجمين آخرين لهم دور مهم ومؤثر في تصدير ثقافتنا وقيمنا وأخلاقنا إلى من يحتاجونها ويبحثون عنها بكل اللغات وفي كل القارات.

وبين هذين الفريقين يقبع فريق ثالث في منزلة بين المنزلتين، لا هو إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

قل لي مع أي شركة تترجم وفي أي مجال تتخصص، أقل لك ما هو دورك في هذي الحياة.

هل فكرت يوما فيما تفني عمرك أيها المترجم المثقف؟ هل فكرت يوما في حياتك بهذه النظرة الرسالية؟ أم أن صعوبة الحياة وغلاء الأسعار وتراجع فرص العمل أشغلتك بشغلك الشاغل في البحث عن لقمة العيش وأخذتك بعيدا عن إجابة ذلك السؤال الجوهري.

أعترف بأن صعوبة الظروف الحالية ثقيلة بما يكفي لئلا يلتفت أحد إلى مثل هذا النوع من الأسئلة، وأن يراه نوعا من الترف الفكري أو أنه جدل في غير وقته.

العجيب أن معظم المشروعات المتاحة التي يشارك المترجمون في تعريبها وتوطينها، هي مشروعات تصب في صالح تغريب الأجيال الجديدة وإلباسها لباس الغرب أو الشرق، مثل ترجمة الأفلام وتطبيقات الهاتف وألعاب الفيديو وبرامج وكتب وروايات غربية وغريبة.

والأعجب من ذلك هو مشاركة مترجمين في ترجمة برامج وتطبيقات لها صلة بالذكاء الصناعي ستكون في الغد القريب سببا لزيادة تراجع فرص العمل في مجال الترجمة.

لا أكتب لأشكو حالنا وأبكي حظنا العاثر في هذا الزمان الطيب المبارك. ولكن لا بد من انتباهة مبكرة من نخبة المترجمين يعملون على حل هذه المشكلة، ويعيدون توجيه دفة هذا المجال بما يخدم العاملين فيه، وبما يلبي حاجة ملايين الناس حول العالم الباحثين عن الحقيقة والباحثين عن المعنى.

كما أنه ينبغي ألا نترك قسوة الظروف ومصالح الشركات الدولية تتحكم فينا وفي اتجاه أعمالنا وفي تحديد متى تكثر المشاريع والأعمال ومتى نتذوق مرارة البطالة.

فكرة مشروع جديد

هذا الواقع الذي نعيشه أسمعه ينادي بأعلى صوته بضرورة أن يكون لدينا مشروعا عاما يجمع نخبة المترجمين، ونخبة أصحاب الرأي ورواد الأعمال، ليبادروا بنشر كنوز تراثنا وجواهر ثقافتنا، وانتقاء أفضل الكتب النافعة التي تنشر علوم الإيمان والأخلاق والتربية والأدب، وترجمتها ونشرها، لتغطية جزء من حاجة العالم وجوعه المعرفي إلى هذه العلوم.

بعد ذلك يمكن بيع هذه الكتب والمنتجات على منصات الكتب الالكترونية والمطبوعة، فتكون هذه الكتب لها رسالة نافعة للجميع وتكون في نفس الوقت مصدر دخل للعاملين في هذا المشروع، الذي يمكن أن يبدأ صغيرا ثم يكبر شيئا فشيئا وسيجد بإذن الله أن أمامه كل الفرص التي تجعله يتوسع أكثر وأكثر.

لذلك، إن تلقفت الأيدي الماهرة هذه الفكرة، فقد تتطور سريعا إلى مشروع ضخم، يبدأ بمجموعة متطوعين مؤمنين بالفكرة، وإنشاء منصة أو متجر الكتروني، أو تطبيق على الهاتف أو أي وسيلة أخرى مناسبة لتسويق وبيع هذه الكتب والمنتجات التي نترجمها لتبحث عن زبائنها الذين يبحثون عنها أيضا.

الهدف هو ترجمة أهم ما نمتلكه حصريا، ولا يمتلكه أحد غيرنا، فالتراث الثقافي والإيماني والأخلاقي والتربوي الممتد عبر قرون طويلة هو ما يميزنا عن غيرنا من باقي الحضارات والأمم، وهذا هو المنتج الأهم الذي يمكن أن نصدره للعالم بفخر، وهو المنتج الذي يبحث عنه العالم بشغف في وقتنا هذا، ولا أحد في العالم حاليا يمتلك هذا المنتج وهذه الميزة الحصرية غيرنا.

وفضلا عن ذلك فهناك “سوق” و”زبائن” يعدون بالملايين يبحثون عن الحقيقة ويقرأون ويبحثون هنا وهناك عن المنتجات الإيمانية والتربوية.

وفي الوقت ذاته تتصاعد وتيرة تأسيس أكاديميات ومدارس ومراكز إسلامية وتعليمية ودور نشر عملها يتصل من طريق أو آخر بهذا المجال، لا سيما بعد تراجع مستويات الأخلاق والقيم والحالة النفسية والروحية وحتى الحالة المادية والاقتصادية لكثير من الأوربيين، وفي وقت تتراجع فيه المسيحية عن عرش الحالة الدينية في أوروبا وأمريكا جراء نشر جهات كثيرة ثقافة اللادين، إلا أنهم الآن باتوا يجنون الثمار المرة لسياساتهم الخاطئة عبر القرون والعقود الأخيرة.

ونتيجة ذلك الواقع المتشابك، وفي عالم سريع التغيير وشديد التعقيد، ولدت أجيال جديدة تبحث عن المعنى، وتفتقد راحة الروح، وتحتاج إلى طمأنينة القلب، حتى كثر إقبال الشباب والفتيات على اعتناق الإسلام شرقا وغربا بالطريقة التي يعرفها الجميع، لما يجد فيه الباحثون عن الحقيقة من إجابات شافية، وطمأنينة قلبية.

فأرى أن من واجب المترجمين بشكل خاص، وكجزء من أداء “زكاة العلم” الذي تعلموه وعملوا به، أن يكون لهم دور فاعل، ومشاركة مؤثرة وبصمة تاريخية تحسب لهم في هذا الوقت المهم من تاريخ البشرية، وذلك عبر حُسن انتقاء أهم وأفضل ما في المكتبة العربية والإسلامية، مما يتناسب مع العصر الحالي والأجيال والقضايا المعاصرة، وترجمتها ونشرها بالطرق المناسبة، وما أكثرها في أيامنا هذه.

إن نسينا يوما أثر ترجمة الثقافة اليونانية والفارسية والهندية على تراثنا العربي والإسلامي منذ العصر العباسي وحتى الآن. فبالتأكيد لن ننسى أثر المشاركة في ترجمة مشاريع جوجل وسامسونج وأبل وغيرها في توجيه أفكار وسلوكيات وأعمال وظائف وواقع الاجيال الحالية، بما فيها نحن الذين نقرأ هذه الكلمات. وهذا لأننا نعيش هذا الواقع بأنفسنا، وكثير منا يلاحظون الفارق الكبير بين ثقافة وسلوك الأجيال الحالية والأجيال التي عاشت قبل عصر الانترنت.

تخيل لو أن طاقة هؤلاء المترجمين كانت قد وجهت لصالح شركة أو شركات عربية كبرى مثل “صخر” مثلا أو غيرها من الشركات التي اختفت لسبب او لآخر، وتخيل أن الأسبقية والأفضلية كانت لمنتجات وأجهزة وبرمجة هذه الشركات العربية، وليس منتجات وأجهزة بهوية غربية ورأسمالية.. تخيل كيف سيكون واقعنا الآن؟

تخيل إذن لو تأسست بعض هذه الشركات الآن، وعملت بجد، واستوعبت طاقات فرق من المترجمين والمفكرين والكتاب والمهندسين ورواد الأعمال، كيف سيكون الحال بعد 5 سنوات وبعد ١٠ سنوات إن شاء الله.

هذه فكرة مشروع له منافع عاجلة وآجلة، دنيوية وأخروية، يحتاجه المترجمون ويحتاجه الشباب والفتيات، الكبار والصغار، عربا وعجما. فأحببت أن أشاركه مع الأفاضل، عسى أن ينتقل من مساحة الأفكار إلى ساحة الأفعال بإذن الله.